الكيل بمكيالين

2026-04-19 18:35:55 Written by  eritrea Al Touq Published in المقالات العربية Read 77 times

في هذه الآونة، لا يكاد يخلو خطاب الحكومة الإثيوبية ورئيس وزرائها آبي أحمد من التلويح بورقتي سد النهضة والمنفذ البحري، وكأنهما قضيتان وجوديتان تُستحضران في كل مناسبة سياسية أو إعلامية. وعند الحديث عن المنفذ البحري، يُربط الأمر مباشرة ببقاء الدولة الإثيوبية من عدمه، بينما يُقدَّم سد النهضة بوصفه خطًا أحمراً لا يقبل النقاش أو المراجعة، في محاولة واضحة لفرض أمر واقع بالقوة السياسية والإعلامية

غير أن اللافت في هذا الخطاب هو اللجوء الانتقائي إلى القانون الدولي؛ إذ يتم استدعاؤه حين يخدم المصالح الإثيوبية، وتجاهله أو إعادة تفسيره عندما يتعارض مع تلك المصالح. ففي ملف سد النهضة، تهاجم أديس أبابا اتفاقيتي مياه النيل لعامي 1929 و1959، اللتين أُبرمتا بين مصر والحكومة البريطانية في السودان آنذاك، وبموجبهما تمّ تحديد حصة مصر بـ55.5 مليار متر مكعب، وحصة السودان بـ18.5 مليار متر مكعب. وتدّعي الحكومة الفيدرالية الإثيوبية أن هذه الاتفاقيات لم تُراعِ مصالحها، وأنها لم تكن طرفًا فيها، وبالتالي فهي غير ملزمة بها. غير أن هذا الطرح يكشف تناقضًا واضحًا؛ فبينما ترفض إثيوبيا الاتفاقيات الدولية بحجة عدم مشاركتها فيها، تسعى في الوقت ذاته إلى فرض رؤيتها الأحادية على دول المصب، متجاهلةً قواعد القانون الدولي المتعلقة بالاستخدام المنصف والمعقول للأنهار الدولية وعدم التسبب بضرر جسيم

وبعد أن أصبح سد النهضة أمرًا واقعًا، طُرح على إثيوبيا مقترح بمشاركة مصر في الإدارة الفنية خلال فترة ملء السد، بهدف تقليل المخاطر المحتملة، خصوصًا في أوقات الجفاف والتغيرات المناخية. غير أن أديس أبابا سارعت إلى رفض هذا الطرح، واعتبرته تدخلًا في سيادتها الوطنية. وهنا تتجلى المفارقة الصارخة: فبينما ترفض أي شكل من أشكال التنسيق الفني الذي قد يخفف الأضرار عن دول المصب، يخرج رئيس الوزراء الإثيوبي بخطاب متكرر يطالب فيه بـ"حق" بلاده في امتلاك منفذ بحري "بأي وسيلة"، متجاهلًا – أو متغافلًا – أن مثل هذا الطرح يمثل انتهاكًا صريحًا لسيادة الدول المشاطئة

صحيح أن القانون الدولي، وبموجب المادة 125 من اتفاقية قانون البحار، يمنح الدول الحبيسة حق الوصول إلى البحر والاستفادة من الموانئ، لكنه لا يمنحها بأي حال من الأحوال حق امتلاك أراضٍ أو موانئ بالقوة أو التهديد بها. ومع ذلك، تتعامل الحكومة الإثيوبية مع هذا الحق وكأنه مبرر للتوسع، غير عابئة بأن السعي لفرض منفذ بحري عبر وسائل قسرية يُعد انتهاكًا فاضحًا للقانون الدولي واعتداءً على وحدة وسيادة الدول المجاورة، وعلى رأسها إرتريا

وتزداد حدة التناقض عندما تحتج إثيوبيا بأن 85% من مياه النيل تنبع من أراضيها، معتبرةً أي نقاش حول تنظيم استخدام المياه مساسًا بسيادتها، بينما لا ترى في مطالبتها بامتلاك موانئ على سواحل تقع تحت سيادة كاملة لدول أخرى أي اعتداء يُذكر. أليس هذا هو الكيل بمكيالين في أوضح صوره؟

ومن المفارقات اللافتة أيضًا، ما جاء في خطاب آبي أحمد بمناسبة شهر رمضان لعام 1447هـ، حيث أكد أن بلاده لا تحمل أطماعًا توسعية وتسعى إلى استقرار جيرانها، قبل أن يعود في السياق ذاته ليصرح بأن إثيوبيا "ستؤمن لنفسها بوابة بحرية، سواء بالتفاهم أو بالقوة"؛ وهو تصريح يهدم ما سبقه ويكشف ازدواجية الخطاب

 فإن العالم يضم نحو 44 دولة حبيسة، من بينها إثيوبيا، بل إن بعض هذه الدول – مثل أوزبكستان تعاني من وضع أكثر تعقيدًا لكونها محاطة بدول حبيسة أيضًا. ومع ذلك، لم تسعَ هذه الدول إلى انتزاع موانئ بالقوة، بل اعتمدت على الاتفاقيات الدولية والتعاون الإقليمي لضمان مصالحها التجارية. واليوم، يعيش ما يقارب 640 مليون نسمة في دول لا تمتلك منافذ بحرية، لكنها تحقق نموًا اقتصاديًا ملحوظًا بفضل الالتزام بالقانون الدولي وبناء الشراكات، لا عبر التهديد وفرض الأمر الواقع

إن على الحكومة الإثيوبية أن تتعلم من تجارب هذه الدول، وأن تدرك أن تحقيق التنمية والاستقرار لا يكون عبر التصعيد وافتعال الأزمات، بل من خلال التعاون واحترام سيادة الآخرين. أما التذرع بعدد السكان – الذي يناهز 120 مليون نسمة – كمبرر للمطالبة بمنفذ بحري، فهو طرح لا يستقيم قانونًا ولا منطقًا؛ فالتحديات السكانية تُعالج بسياسات داخلية رشيدة، لا بفتح أبواب نزاعات إقليمية

وهنا تتجلى الحقيقة بوضوح: خطاب يرفض الشراكة حين تُلزمه، ويتمسك بالقانون حين يخدمه، ويتجاهله حين يقيده… وذلك هو الكيل بمكيالين

Last modified on Sunday, 19 April 2026 20:40